العلامة المجلسي ( تعريب : ميلاني )

45

عين الحياة

الوجود وكاملا من جميع الجهات ، ولا نقص في ذاته وصفاته ، وكان الممكن فيه غاية النقص والعجز والعدم ، بلغ التقابل والتباين بين الواجب والممكن غايته ، وكلّما أزال الممكن نقصا من نقائصه وأفيض عليه كمال من الفيّاض على الاطلاق ، حصل له قرب معنوي في الجملة ، كما لو تضادّ شخصان في الاخلاق فكل واحد منهما بعيد عن الآخر ، أمّا لو تأثّر أحدهما بأخلاق الآخر فانّه يدنو منه قليلا . وصفات الواجب والممكن وإن لم يكن لها ربط ، وانّ الممكن في كماله محفوف بمئات الآلاف من النقائص ، لكن يحصل نوع من الارتباط بلا تشبيه يمكن التعبير عنه بالقرب ، وبما انّ العبادات الظاهرية والباطنيّة تورث كمالا في النفس ، يمكن أن يكون غرض الانسان في العبادة تحصيل هذا المقام ، ودرجات ومراتب هذا القرب غير متناهية ، وتفصيل ذلك موكول إلى مجال آخر ان شاء اللّه . والمعنى الثّاني للقرب : التذكّر والمحبّة والمصاحبة المعنوية ، كما لو انّ شخصا في المشرق وله حبيب في المغرب ، فهو دائم الذكر لمحبوبه ولا ينساه طرفة عين ، ويتكلّم بكمالاته دائما ، فهو - بحسب القرب المعنوي - أقرب إلى محبوبه من الغريب أو العدو القريب منه ، ويحصل هذا النوع من القرب بزيادة العبادة وكثرة الذكر . ثالثا : عبادة من يعبد اللّه حياء ، وهذه الدرجة مختصّة بمن أضاء نور الايمان قلبه ، وظهر له حسن الطاعات وقبح السيئات كما هي ، فهو قد ارتقى إلى كمال المعرفة فبقي دائم الذكر للّه تعالى ، لا يغفل عنه طرفة عين ، ويعلم انّ اللّه خبير بدقائق أموره وخفايا ضميره ، وبواطن نيّاته ، وقد تجلّت عظمة اللّه وجلاله لقلبه ، مما كان سببا في انبعاثه على العبادة والطاعة وترك المناهي عنده .